مقال يفتح الجرح القديم عن جرائم الاغتيال السياسي الممنهج
اغتيال الشخصية ابرز الاسلحة فتكا في تصفية الخصوم بواسطة الانظمة العقائدية والشيوعييين والاسلاميين علي قائمة المتهمين بالترويح لهذا النوع من الجرائم السرية
Freedom of Speech, Defamation of Character and the Internet
مدخل: معلق على مشانق الصباح وجبهتي بالموت محنية لأنني لم أحنها حية أمل دنقل (1) يوم الجمعة الثامن من ديسمبر العام 1961م تخير محمد عبد الرحمن شيبون الأستاذ بمدرسة الأمل برفاعة أن يضع السطر الأخير لسنوات عمره لتتوقف عند سن الثلاثين، بإختياره التدلي من عود مشنقة نصبها لنفسه بمدينة الحصاحيصا، عوضاً عن تحمل نتائج الحملة المنظمة التي تشكك في وطنيته وإنتمائه للحزب وقادها بعض رفاقه الشيوعيين الذين لطالما علمهم الرماية بحسب آخر رسالة خطها يراعه. ومنذ ذلك التاريخ والى يومنا هذا لا تزال تهمة التوقيع على دفتي كتاب حياة شيبون ملتصقة بالحزب الشيوعي أو بالأحرى سياساته، وما أدل على ذلك من الحبر الكثيف الذي عمد الى تعليق التهمة على مشجب الحزب، لمرتين، مرة بتهمة القتل المعنوي، والثانية بإغلاق الطرق أمام شيبون في مقابل تعبيد طريق وحيد أمامه ومؤداه الموت. (2) إغتيال الشخصية، يصنف على أنه أبرز الأسلحة فتكاً في تصفية الخصوم، خاصة وإن تعلق الأمر بالسياسة، في وجهها القذر، والسبب في ذلك نتائجه الوخيمة التي ربما أدت في أعلى سقوفها للإكتئاب الحاد المفضي الى الجنون أو الإنتحار. وبحسب التعريفات العلمية فإن إغتيال الشخصية سياسياً مصطلح يتم للتعبير عن الحملات المنظمة والممنهجة، التي تهدف لتشويه سمعة شخص معين بإستخدام عدد من الأساليب، في مقدمتها الشائعات، وإبراز (السقطات والزلات) ، ورمي حجارة الإتهام في البركة الساكنة، وكل ذلك بغية نسف الضحية معنويا،- أو حتى لمجرد إرهابه وتوجيهه في قضبان طريق محدد. وتحتاج عملية الإغتيال الناجحة الى عدة عوامل مساعدة، منها توافر شروط محددة في الضحية، منها الرمزية السياسية، وقابلية الخضوع للإغتيال، فضلاً عن توافر البيئة المجتمعية المناسبة التي لا تستنكر الفعل وتعمل على سياقته ضمن الأطر الطبيعية. ولأن السياسة السودانية نهلت من عدة مشارب فكرية، لم تكتف في ذلك الورد بالثمين فقط، إذ إستصحبت معها الغث كذلك، ولذا راجت فكرة إغتيال الشخصيات سياسياً منذ وقت مبكر وارتبط استخدام ذلك السلاح بصورة كبيرة بالأيدولوجيات العقائدية الشيوعيين والإسلاميين وهو الأمر الذي عزاه د. محمد محجوب هارون أستاذ علم النفس السياسي بجامعة الخرطوم الى تطرف العقائديين في خصوماتهم، جراء الضيق الشديد في مساحات التسامح داخل أروقتهم الحزبية وذلك بعكس بقية الأحزاب التقليدية ذات الجذور الصوفية والتي تقل الظاهرة عندها بدرجة كبيرة تكاد تصل حد الندرة. (3) ولا تخلو الدفاتر الحزبية -بحال- من سجلات مريرة، تعرض لها بعض من القادة والرموز، في مضمار إغتيال الشخصية، أبرزها مساع نظام مايو لغمط الزعيم إسماعيل الأزهري الرئيس الأول لجمهورية السودان وزعيم الحزب الإتحادي الديمقراطي، كسبه السياسي، حتى بعد موته (وتشير الشبهات الى أنه إغتيل) بالتقليل من الدور الذي لعبه في الحياة السياسية ودوره الرائد في صناعة الإستقلال، لدرجة نعته فيها إذاعة هنا أم درمان بسطر واحد فقط لا غير مفاده أن (توفي اليوم إسماعيل الأزهري الأستاذ السابق بالمدارس الثانوية). ويرى البعض ان السيد الصادق المهدي من الشخصيات التي تعرضت لمحاولات اغتيال معنوي خلال حقب مختلفة، وكان الصادق يقابل هذه الشائعات بالرد عليها تارة، وبالاعراض عن بعضها تارة اخرى، فقد دفع الصادق الاتهامات التي تصفه بأنه كحاكم كثير التردد عند اتخاذ القرار، فقال ان اتخاذ القرار اسهل ما يكون في النظم الشمولية، اما النظام الديمقراطي فطبيعته تقتضي التروي..ولم يسلم الصادق من الشائعات ومحاولات الاغتيال التي مست خصوصيته. وعقب مقالات الاستاذ عبدالمحمود نورالدائم الكرنكي عن مقتل المهندس داؤود بولاد المنشق عن صفوف الحركة الإسلامية، تحدث الكرنكي عن عدد من قيادات الاسلاميين الذين تعرضوا لمحاولات اغتيال شخصية لكنه رمز لهم باحرف. وأشار الأستاذ عبد العزيز البطل في صفحته الإسبوعية الراتبة (شرقاً تجاه الغرب) بالزميلة الغراء (الأحداث)، في وقفته عند المقالات التي نشرها عبد المحمود الكرنكي ، الى التهم التي أشاعها الإسلاميون عن الراحل، كإتهامه بنشر مقال بإحدى الصحف الألمانية يحوي في ثناياه تسريباً لمخططات الإسلاميين بالإنقضاض على الديمقراطية في الفترة التي سبقت إنقلاب الإنقاذ، إضافة لإتهامه بالتواطؤ مع الحكومة الأمريكية، الى جانب القدح في ذمته المالية بالحديث عن تحويله اموالا تخص التنظيم الى مصلحته الخاصة، وامتدت حملة التشويه بحسب الكرنكي وقراءات البطل الى ما بعد مقتله بالإشارة الى تنصره، من خلال الحديث عن إزديان عنقه بالصليب ساعة وفاته. أما الحزب الشيوعي فإنه (فات الكبار والقدرو) من خلال إمتلاكه قائمة طويلة وممتدة من ضحايا التصفيات المعنوية عن طريق إغتيال الشخصية تحوي: قاسم أمين النقابي العمالي البارز، فأمين الذي كان أهزوجة لمنسوبي الحزب (يا موج البحر الأحمر .. سميناك قاسم أمين)، ألصقت به تهما اخلاقية، الأمر الذي أدى به لأن يعيش معظم حياته في المنفى. وتمتد القائمة المتطاولة لإغتيالات الشخصية داخل الشيوعي لتشمل عدداً مقدراً ممن قرروا مغادرة الحزب وصفع بواباته كالشاعر الكبير صلاح أحمد إبراهيم، والدكتور الراحل الخاتم عدلان مؤسس حركة القوى الديمقراطية الحديثة (حق)، ورفيقه في التأسيس الأستاذ الحاج وراق الصحفي البارز، والأستاذ فاروق أبو عيسى رئيس كتلة التجمع البرلمانية، فضلاً عن د. عبد الله علي إبراهيم المرشح الرئاسي والذي استخدمت أسلحة عديدة لإغتيال شخصيته والآخرين ممن إختاروا طريقه وتتراوح بين التجاهل، ومحو المساهمات مهما بلغ نفعها بـ (الإستيكة)، والإتفاق على حد أدنى من (السقطات) ولوكها بإستمرار، فضلاً عن الرمي بالإنتهازية، واليمينية، والعمالة. ومع تعدد وضروب الإغتيال المعنوي، تعد ممالئة ومهادنة الأنظمة الشمولية، الفساد، والثراء الحرام، التهم الأبرز، بحيث نالت معظم الأنظمة السياسية نصيباً وافراً منها. (4) وتشتد جذوة إغتيالات الشخصيات السياسية إبان فترة الإنتخابات، كإحدى آليات إقصاء المنافسين، ومع إقتراب السباق الإنتخابي لم يستبعد د. محمد محجوب هارون إستخدام الإغتيال السياسي للشخصية، السلاح القديم المتجدد وقال لـ (الرأي العام): إغتيال الشخصيات سياسياً سيكون حاضراً في الإنتخابات كأحد وسائل العنف ولكنه توقع بأن يتم ذلك خلال كيانات سرية تعمل على تشويه صورة الخصوم، بطريقة (أضرب وأهرب) أو عن طريق إدارة حملات منظمة ومدعمة بالحقائق والإسانيد. ووفقاً لقاعدة أن الذئب يأكل القاصي من الغنم، سيكون المستقلون في إنتخابات أبريل المقبل، أمام إختبار قاسي لأجل البقاء في الساحة السياسية، فالمستقلون الذين يعوزهم السند، يعدون عرضة أكثر من غيرهم لحملات التشويه، وهو ما أشار اليه المرشح المستقل لإنتخابات الرئاسة د. عبد الله علي إبراهيم بتعرضه لحملة شرسة يقودها الشيوعيون ومن أسماهم باليسار الجزافي بإجترار ذات التهم القديمة الموجهة له لأجل إبعاده عن الساحة. وعن كيفية التحصن ضد ذلك السلاح الفتاك، وضع وائل عمر عابدين مساعد رئيس الحزب الوطني الإتحادي لشؤون الإنتخابات روشتة علاجية لخصها لـ (الرأي العام) في: تبني خطاب موضوعي، وعدم الدخول في سجالات مع الجهات الواقفة وراء تلك العملية وتجاهلها ما أمكن. (5) و في ظل توافر العوامل المجتمعية والمحرضة لإصابة الشخصيات السياسية في مقتل كإرتفاع نسبة الأمية، والحالة الاقتصادية المتردية، فإن الانتخابات تشكل بيئة مناسبة لحبك عدد من الحلقات الجديدة في مسلسل إغتيال الساسة في شخصياتهم.