هي باختصار مدينة التناقضات، تناقض لا يفسره سوى نزاع دموي على سيادتها دام عقودا...
فأبيي جسر طبيعي يربط شمال السودان بجنوبه، كما تحوي أرضها احتياطيا مهما من النفط والغاز الطبيعي فضلا عن الماء والمعادن، نعم تحولت إلى نقم عندما جرّت هذه المدينة الآمنة إلى دائرة النزاع الملتهب بين الحكومة السودانية في الشمال والحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، والتي تسعى بدورها إلى تحقيق الانفصال.
وما زاد الطين بلة، هو ذلك المزيج السكاني الذي يعيش في أبيي، إذ تضم المدينة عددا من القبائل العربية والإفريقية، ولعل أبرزها قبيلة المسيرية العربية والمتمركزة في الشمال وقبيلة الدينكا الإفريقية المتمركزة في الجنوب، طرفان يدعي كل منهما سيادته على المدينة الثرية، واصفا الآخر بالدخيل.
نزاع سيادي يؤججه الدعم الذي تحظى به كل من هاتين القبيلتين ليس فقط من حكومتي الشمال والجنوب بل أيضا من أطراف وجهات خارجية على رأسها أمريكا وبريطانيا.
وقد يظهر التدخل الأجنبي جليا في أبيي، عند النظر إلى اتفاقية السلام الشامل والمبرمة في عام 2005 بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان.
فهذه الاتفاقية والتي أبرمت برعاية أمريكية، حرصت على جعل مدينة أبيي فتيلا يسهل إشعاله بين الفينة
والأخرى، بما يهدد ليس فقط السلم والأمن في المدينة بل السلم والأمن في السودان برمته، لاسيما وأن هذه المدينة لم تقف يوما بعيدة عن أتون الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد عدة مرات.
اتفاقية السلام الشامل تنص في فصلها الرابع على جملة مبادئ تحسم نزاع أبيي، ولكن بعيدا عن منطق العيش المشترك والشراكة السياسية. فبموجب هذه الاتفاقية تخضع الأرض الغنية لإدارة خاصة تحت سيطرة الرئاسة، وذلك بانتظار نتيجة الاستفتاء المزمع إجراؤه عام 2011 والذي سيحدد فيما إذا كانت المدينة ستلحق بما يفترض أن يكون قد أصبح جنوبا مستقلا.
بمعنى أن الاستفتاء الذي يحدد مصير جنوب السودان، سيتبعه استفتاء منفصل حول مصير هذه المدينة الثرية، وهنا سيخير أهالي أبيي بين احتفاظ المدينة بوضعها الإداري الخاص في الشمال أو أن تكون جزءا من بحر الغزال، والى حين ذلك تسم عائدات النفط إلى ستة أقسام رئيسية وفق ما يلي:
50 % الحكومة القومية
42 % حكومة جنوب السودان
2 % بحر الغزال
2 % غرب كردفان
أما محليا فتقسم كما يلي: 2 % لقبيلة دينكا الإفريقية و 2 % لقبيلة المسيرية العربية.
مستقبل رسم بأنامل أمريكية وبريطانية وإفريقية، فالمفوضية التي صاغت القرار، تكونت من خمسة عشر، خمسة منهم يمثلون الحكومة السودانية و خمسة يمثلون الحركة الشعبية و خمسة خبراء أجانب على رأسهم السفير الأمريكي الأسبق في السودان دونالد باترسون، إلى جانب خبير كندي وإثيوبي وبريطاني وكيني، بينهم واحد فقط متخصص في مجال التاريخ وأبحاثه.
وكانت مهمة المفوضية، التي اتخذت من نيروبي مكانا لها، دراسة مجموعة الوثائق والدراسات التي يقدمها الطرفان المتنازعان، ليثبتان حق كل منهما في سيادة المدينة، بحيث تنتهي ورشة العمل بترسيم واضح لحدود هذه المدينة ومصير ثرواتها.
لكن القرار الذي أفضت إليه هذه المفوضية، كان بعيدا جدا عن منطق اللاغالب ولا مغلوب، بل يمكن الذهاب إلى حد القول بأنه كان منحاز لطرف دون آخر.
ما سبق عبر عنه الحزب المؤتمر الوطني الحاكم، و الذي يرى في أبيي تمازجا و تداخلا بين القبائل العربية و الإفريقية، يعيق ضمها لطرف دون آخر، فيما ترى الحركة الشعبية لتحرير السودان، في المدينة حقا ضائعا عليها استرداده، مستندة إلى وثائق تزعم تبعية هذه المدينة إلى الجنوب قبل عام 1905 م.
نزاع سيادي ليس حديثا، يحول المدينة إلى بؤرة صراع قد تنفجر بأي لحظة، أما سكانها فهم يذوقون لوعة ليس بعيدة عن تلك اللوعة التي يذوقها أخوتهم في إقليم دارفور..